في اليوم الثالث عشر من شهر أيلول , جلستُ على ذلك الكرسي الخشبي ,
في تلك الحديقه , ممسكاً بجريدتي ,فهي رفيقتي منذُ رحيل حبيبتي ,
أنظرُ إلى الأشجار .. وكيف تعرت من أوراقها .. وأستمعُ إلى أنين الرياح
.. وكأنها تحاكي وجعاً .. وأنظرُ إلى نفسي .. كيف أصبحتُ هرماً ..
لاأملكُ سوى ذكرياتي مع زوجتي ...
وتمّرُ بي سريعاً ألة الزمن , تتقاذفني .. لتعيدني إلى حيث كنت شاباً يافعاً
أتسلقُ تلك الأشجار لأقطف ثمرةً أهديها إلى حبيبتي , وكيف كانت تضحك
وتضحك , فأشدها إلي بعنوه لندور داخل فلك حبنا .. وكأنها الشمس ,
وأنا الكواكبُ من حولها ...
فتقول لي بكل إستحياء : محمد مابلك , يكفيك صبا ,
دعنا نعود إلى منزلنا فلقد حل الليل ...
فأقول لها : لما ؟؟دعيني أستنشقك , وأمرح معك , فنحن لا زلنا في شهر حبنا ,
سأُشاقيكِ سأزيد من إحمرار وجنتيك.
فتضربني بمعصميها وترحل راكضه فأركض خلفها ,
ولا تزال أجراس ضحكاتها تقرع في أذني
تركض والرياح تلاعب خصلاتها , فتثيرني أكثر ...
نعود إلى منزلنا , ذلك البيت البسيط , الذي لا يتكون سوى من غرفه واحده ,
ولكنها بالنسبةِ لنا هي جنةً تزينها أحلامنا ..
مرت الأيام وقلوبنا بالحب تنبض , وكلانا في الحياةِ يكدح ,
نكسب رزقنا ونضع رأسنا على وسادتنا خاوين الهموم ..
إلى أن أتى ذلك اليوم الموعد , الذي ينتظره كل زوجين ,
حيث كنت عائداً من مزرعتي , والتعب قد أنهكني , والعرق يتصببني .
أقبلت زوجتي تمشي على إستحياء والخجل يتقطر من خديها ,
جلست بجانبي وأمسكت بيدي وقالت بهمسٍ يزلزلُ كياني
زوجي الحبيب أزف لك خبرٌ جميل قلت لها : ماذا ؟؟ ماهو هذا الخبر الجميل ؟؟
فقالت : أنا حامل يا حبيبي
لا أعلم لحظتها ماأصابني ؟؟
فلقد تعقد لساني , ولم أستطع قول كلمه واحده , فاليوم فقط إكتملت سعادتي ...
ضللتُ على عملي الدؤوب , أعمل وأعمل ليلاً نهاراً فأمامي عائله عليّ أن أهيئ لها رغد الحياه ..
مرت الشهور سريعاً وولدت زوجتي بعون الله , ورزقنا بصبي أسميناه أحمدَ ,
كان هو فاكهةَ حبنا , وبلسمَ جروحنا , وأحلام عمرنا.
بدأنا نخطط له منذ اليوم الأول من ولادته , كيف سنرسم له مستقبله ؟؟
وكيف نجعله يدرس , وبأي مدرسةٍ سنلحقه بها؟؟
وماذا سيتوظف ؟؟ وبمن سنزوجه؟؟ ومن فينا سيسمي أحفاده ؟؟
ونتعارك في يقظاتنا الامحدوده , ونستيقظ على بكاءِ طفلنا .. فنضحك على أنفسنا .
فلقد أصبح هو محور إهتمامنا , وجلُّ وقتنا منصبٌ عليه ..
ففي عامه الأول بدأت أولى خطواته , وفي عامه الثاني أولى كلماته ,
وفي عامه الثالث أصبح مشاكساً لعوباً ..
مرت السنين , وسحب الفرحِ تضللنا , وصروف الدهر نذللها ,
إلى أن أتى اليوم الذي قهرت فيها إرادتنا ..
ذلك اليوم الذي أنتزع منا قلب مهجتنا , لازلتُ أتذكر تلك الحادثه
وكأنها حدثت بالأمس , عندما سقطت زوجتي بلا ميعاد
في بادئ الأمر لم نكن نعلم بخطورة سقوطها مابين الحين والحين ,
وأصبحت كثيرة الشرود , وتأتيها لحظات تعتريها الجنون ,
فتهرب من المنزل إلى ضواحي الوديان , لم أعلم ماذا أحل بها؟؟
أخذتها إلى المستشفيات , كشفَ عليها أقوى الأطباء , جلتُ بها أقاصي البلاد فلم يستطيعوا
أن يشخصوا مافيها , وأكدَ ليّ الجميع بأنه لا علاج لحالتها ,
فقد يكون مافيها مرض وراثي , أو جنون مؤقت وهو بلاء من الله , وأن عليّ التضرع إلى الله والإستسلام لأمره
, أو أن اودعها في مصح يتابعُ
حالتها , صرختُ بهم وقلت : لاااااا لن أضعها في ذلك المكان أنا من سيتابع حالتها
وأراعيها وأسهر عليها , لن أودع زوجتي إلى ما تدلوني إليه .
وبالفعل أخذتها إلى بيتنا أربي طفلي وأراعي زوجتي وأعمل بكدٍ في مزرعتي ...
سهرتُ على خدمتها وكنت أبكي وأدعوا الله أن يعيدها إلى رشدها , فأنا مشتاقٌ إليها..
أوقات كانت تستجيب لي وأوقات يستعصي عليّ التعامل معها , كنت أقفل البيبان حتى لاتهرب ,
وأطعمها بيدي كنت سعيداً بالرغم من معاناتي ,
فهي حبيبة قلبي ولن أخذلها , وسأعتني بها وسأدعوا لها فلن يخيب الله رجائي .
كبر ولدي وساعدني في مراعاةِ والدته , كان كل من يراها يحزن على حالها إلا أنا فكنتُ
ولا زلتُ أعتبرها تلك الصبيه التي أسكنتها قلبي ,
مرت خمسُ سنوات ونحن في صراعٍ دامي مع المرض والمعاناه , إلى إن أستيقظت في أحد الأيام ,
وبدأت تحضر مائدة الأفطار , وتهياء لنا المكان ,
وقبلتني لتيقظني من نومي , وأيقظت أحمد وكأنها عادت إلى طبيعتها , دعتنا إلى تناول
الطعام وتبادلنا أطراف الحديث ونحن نضحك سعيدين بعودتها ,
جهزت لي عدة العمل , وجهزت لأحمد حقيبته المدرسيه وودعتنا وأقفلت الباب ..
فتملكتني السعاده وكأنني ولدت من جديد وضللت أعمل وأعمل بكل إندفاع وكأني أسابق الساعات ,
فأنا في شوق لرؤيتها وأحتضانها .
ذهبت إلى مدرسة أحمد أحضرته معي وذهبنا مسرعين إلى منزلنا , فتحت الباب ,
دخلت أخذت نظره خاطفه للمكان , وجدة سفرة الأفطار
لازالت كما هي , والمياه لاتزال تتدفق , والنار مشتعله , أصابني شعور غريب ممزوجاً
بالخوفِ والتوتر , أسرعتُ إلى غرفتي ,
لأجدها مغتسله ومرتديه حلّت زواجنا , ممدده على سريرنا , وعينها معلقه نحو السماء ,
تجمدت حواسي للحظات , وبدأت أمشي بخطى متثاقله ,
ووقفت أمامها , أنظر إليها والدموع تنسال من عيني بلا وعيٍ مني ولا إدراك .
وكان أبني يشد ثوبي ويقول : أبي ... أبي ... مابالك ؟؟ أبي ....
فضممته إلى صدري وقلت له : فارقتنا والدتك يابني , غادرتنا فلن نعود نراها مره أخرى .
وعلى نفس الصوت صحوت وكأنني مابين الواقع والخيال , صوت طفولي بريء
يقول : جدي ... جدي... مابالك ياجدي؟؟؟
ففتحت عيني على وجه حفيدتي " زيــنــــه "
التي تحمل الشبه الكثير من زوجتي والتي أسميناها تيمناً بها ..
حملتها على كتفي وقلت لها : دعينا نذهب إلى المنزل , فلعل والدتك الأن قلقه علينا ....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق